كيف أدار الشرع أخطر معركة في سوريا ... بلا تهور وبلا ضجيج؟
عبدالغني الشواخ
الكاتب
كيف أدار الشرع أخطر معركة في سوريا… بلا تهور وبلا ضجيج؟ حين وصل الشرع إلى الحكم، لم يرث دولة مستقرة ولا جيشًا منضبطًا، بل فسيفساء فصائل متباينة التوجهات، ظهر خللها بوضوح في أحداث الساحل والسويداء. ومع ذلك، فهم الرجل من اللحظة الأولى أن معركة قسد لا تُحسم بالسلاح وحده، بل بإدارة الوقت، وتفكيك مصادر القوة، وتجفيف الغطاء الدولي. عندما التقى بمظلوم عبدي، وقّع اتفاقًا على دمج قسد خلال عام كامل. كان يدرك يقينًا أن قسد لن تندمج؛ فهي تسيطر على ربع سوريا، حيث النفط والأنهار والسدود والزراعة. لكن الاتفاق لم يكن غاية… بل شراء وقت لتأسيس جيش حقيقي. وخلال هذا العام: وُحِّدت الفصائل. بدأ بناء جيش احترافي بتدريب تركي–سعودي.وتم الاعتماد علي سلاح محلي الصنع حتي يكون القرار العسكري بيد الدولة لا الخارج . ومع اقتراب ساعة الحسم، تحرّك الشرع بعقل الدولة لا بعقل الجبهة: حيّد الكيان باتفاق أمني مؤقت ليغلق جبهة الجنوب. أطلق حملة الساحل ضد الفلول حتى لا تتعدد الجبهات. أحرج لبنان بمعلومات أمنية دفعتها للتحرك ضد تحركات الفلول . التنسيق مع العشائر في التحركات حتي تضرب قسد في مكانها .. ثم جاءت اللحظة الدولية المناسبة: الولايات المتحدة غارقة في صراعها مع الصين، وتوحيد سوريا أصبح جزءًا من حسابات أكبر. استثمر الشرع هذه اللحظة بذكاء، فتم تحييد واشنطن عبر ضغط تركي–سعودي، ومع وعود اقتصادية جعلت النفط السوري مغريًا لشركات أمريكية… وترامب رجل الصفقات لا الشعارات. وفي الداخل، ضُربت قسد في نقطة ارتكازها الحقيقية: قسد ليست قوة ذاتية، بل ورقة أمريكية، وعصبها الميداني هم العشائر العربية في الشرق. ومع تصاعد الخلافات، والتجنيد الإجباري للنساء والأطفال، ترك الشرع النار تأكل نفسها بنفسها. لم يتدخل، فتكشّفت قسد كقوة احتلال، وتحول دخول الجيش السوري من تهديد إلى مطلب شعبي. ثم جاءت الضربة السياسية القاضية: دخل مفاوضات يعلم أنها فاشلة، فقط ليُظهر للعالم تعنّت قسد وفساد إدارتها. سُحب الغطاء الدولي، وهو مصدر قوتها الحقيقي. وأبدع في إدارة المعركة الإعلامية: وافق على لقاء مع قناة كردية وهو يعلم أنها سترفض بثه. وبالفعل، اعتذرت القناة ووصفت اللقاء بالتصعيد. لكن المفاجأة أن الشرع نشر التسجيل كاملًا: خطاب وطني هادئ، لغة محترمة، وأدلة تفضح قسد… فارتفعت شعبيته، وتراجع التعاطف مع قسد حتى داخل البيئة الكردية نفسها. ثم ثبّت المعادلة التاريخية: مرسوم بالمواطنة الكاملة للأكراد. الاعتراف باللغة الكردية والتعليم بها. منح الجنسية لمن حُرموا منها. اعتبار عيد النيروز إجازة رسمية. دعوة صريحة لانشقاق عناصر قسد. وبالتوازي: تخريج دفعة من الأمن الداخلي جميعهم أكراد والحفل كان بلغتهم .. رسالة واضحة: الأكراد جزء أصيل من الدولة لا ورقة تفاوض. وخلال العمليات العسكرية: إخراج المدنيين عربًا وأكرادًا مع توفير مآوٍ عاجلة.. وتحديد مناطق القصف بدقة. معاملة الأسرى والمنشقين باحترام. السماح لهم بالعودة لمناطق قسد إن أرادوا. دولة تحارب… لكنها لا تنتقم. تنتصر… لكنها لا تُقصي. ورغم الدعم التركي الواضح، حرص الشرع على إظهار أن القرار وطني خالص، بينما يخرج المسؤولون الأتراك كل حين بتصريحات محسوبة: “إن احتاجت الحكومة السورية دعمًا عسكريًا فلن نتأخر” تلويح بالقوة دون استخدامها، وفي تفاوضوه مع قسد كان شعاره «سألقي لهم أمرًا… إن قبلوه اختلفوا، وإن رفضوه اختلفوا» هكذا أدار الشرع المعركة: صبر، دهاء، إدارة وقت، تفكيك خصم، وبناء دولة في قلب الحرب. وكأن التاريخ أعاد إلى الساحة دهاء معاوية وعمرو بن العاص… ليثبت أحمد الشرع أنه ليس رجل مرحلة، بل رجل حرب وسياسة ودولة من الطراز الأول.